التعاطف والاعتماد المشترك
Nov 25, 2019سألني مراجع يومًا في جلسة علاجية: ما الفرق بين التعاطف «empathy» والعطف «sympathy»؟
الفرق بينهما في الموضع الذي تقف فيه. في العطف تقف خارج تجربة الآخر، فتشفق عليه وتحزن لما أصابه. وفي التعاطف تحاول أن ترى الموقف من داخله كما يراه هو، من دون أن يلتبس عليك أن المشاعر مشاعره لا مشاعرك.
غير أن ما يتكرر في العيادات النفسية أكثر من هذا السؤال هو الخلط بين التعاطف ونمط آخر يسمى الاعتماد المشترك «codependency». فلنعد صياغة السؤال إذًا: ما الفرق بين التعاطف والاعتماد المشترك؟
سأشير في هذا المقال بحرف (ت) للتعاطف وبحرف (ا) للاعتماد المشترك.
(ت)
أشعر بنفسي ومشاعري ولدي القدرة على التفريق بين مشاعري ومشاعر الآخرين، بينما (ا): أشعر بمشاعر الآخرين عنهم، مثل: من يقول: «أنا متفشل عنه أو متفشل عشانه».
(ت)
لدي القدرة بأن أسمح للآخرين أن يشعروا بآلامهم، ولا أشعر بعدم الارتياح عند وجودي في مواقف تتطلب مني الاستماع لألم شخص آخر. بينما (ا): لا أرتاح أن أكون في مكان وشخص آخر يعبر عن آلامه، ودائمًا ما أسعى إلى إصلاح الأمر حتى لو لم يُطلب مني المساعدة.
(ت)
أستطيع أن أضع حدودًا للآخرين من دون الشعور بالذنب. بينما (ا): أجد صعوبة في وضع حدود للآخرين وأشعر بالذنب عندما أضطر لفعل ذلك.
(ت)
غالبًا تصرفاتي تجاه الآخرين تكون بدافع حب الذات. ملاحظة «حب الذات هنا لا يقصد به الأنانية». بينما (ا): غالبًا تصرفاتي تجاه الآخرين تكون بدافع الشعور بالذنب أو الخوف أو القلق.
(ت)
يمكنني أن أسعى لشفاء نفسي، والآخرون يمكنهم أن يسعوا لشفاء أنفسهم. بينما (ا): إذا كان بإمكاني مساعدة الآخرين فهذا يعني أنه يُمكنني مساعدة نفسي.
يأتي الاعتماد المشترك بدرجات مختلفة، وتظهر على بعض الأشخاص خصائص تختلف عن خصائص غيرهم ممن يعانون منه.
الشخص الذي يعاني من الاعتماد المشترك هو الشخص الذي يسمح لسلوك شخص آخر بالتأثير عليه، ويشعر بالمسؤولية تجاه سلوكيات هذا الشخص وتجاه مشاعره، ويمكن أن يصل به الأمر بأن يكون مهووسًا بالسيطرة على سلوك ذلك الشخص. الاعتماد المشترك قد يحدث بين الأزواج أو بين أفراد العائلة أو بين أحد الوالدين والأبناء أو بين الأصدقاء أو بين مقدمي الخدمة وعملائهم.
في الغالب يكون المعتنى به يعاني إمّا مرضًا عضويًا أو اضطرابًا نفسيًا أو إدمانًا، أو لا يتحمّل مسؤولياته، ويأتي من يعاني من الاعتماد المشترك بممارسة سلوكيات الاعتماد المشترك ومحاولة إنقاذ المعتنى به.
التعاطف قد يؤدي إلى الاعتماد المشترك إذا تحول القلق على الشخص الآخر إلى هوس، وإذا تحولت الرأفة إلى العناية وإتمام الأمور عن المعتنى به وهو باستطاعته إتمامها بنفسه؛ لأن هناك فرقًا بين المساعدة المفيدة المقدمة للآخرين وبين المساعدة المدمرة، حيث إن سلوكيات الاعتماد المشترك تعد مساعدات مدمرة؛ لأنها تعزز السلوكيات السلبية لدى المعتنى به، مثل: عدم الاعتماد على الذات واللامبالاة، وتوقع من الآخرين أن يعتنوا به وبأموره وكأنها واجباتهم تجاهه، وذلك بسبب وجوده مع من يعاني من الاعتماد المشترك، الذي يقفز إلى إنقاذ المعتنى به ويتحمل مسؤولية تصرفاته عنه، ولا يقدم له الفرصة لإصلاح ذاته وتحمل عواقب سلوكياته بنفسه، ما يعطي الشخص الذي يمارس الاعتماد المشترك اليد العليا في الأمور المتعلقة بالمعتنى به، والتحكم في قرارات حياته وتصرفاته، ما يجعل منه شخصًا عاجزًا، لا يستطيع الاعتماد على ذاته. مع مرور الوقت يبدأ من يعاني من الاعتماد المشترك، الشعور بالامتعاض وعدم الرضى عن حياته، وبأن ما يقدمه من رعاية واهتمام لا يرى المعتنى به قيمتها؛ لأن من يعانون من الاعتماد المشترك يسعون ربما إلى التخلي عن أمور شخصية لتقديم الرعاية.
نُشر هذا المقال أيضًا في جريدة الوطن السعودية.
رسائل مهارات الذات الحقيقية
مقالات وأدوات جديدة، وأخبار البرامج حين تُطرح. تصل إلى البريد الإلكتروني، ويمكن إلغاء الاشتراك في أي وقت.
يُستخدم البريد الإلكتروني لإرسال هذه الرسائل فقط، ولا يُشارك مع جهات أخرى.