اللبنات الخمس في لحظة واحدة: كيف نفرّق بين الإحساس والشعور؟
Oct 03, 2026رنّ الهاتف مساء الخميس، وعلى الشاشة اسم المدير. وقبل الرد مرّ في ذهنك سؤال سريع: «ماذا فعلت؟». ارتفع كتفاك قليلًا، وضاق صدرك. وبعد المكالمة سألك شخص قريب: «كيف كانت؟»، فكان جوابك كلمة واحدة: «توتر».
في كلمة «توتر» أكثر مما يبدو.
نستخدم كلمة واحدة لنصف لحظة كاملة، وهذا طبيعي ومفيد في الحديث اليومي. لكن الكلمة الواحدة قد تخفي ما حدث فعلًا في تلك اللحظة: ما فكّرنا فيه، وما شعرنا به، وما رأيناه وسمعناه، وما فعله الجسد، وما أحسسنا به في داخله.
ما اللبنات الخمس؟
العلاج النفسي الحسّي الحركي (Sensorimotor Psychotherapy) أسّسته المعالجة النفسية الأمريكية بات أوغدن، وبنت فيه على عمل المعالج رون كيرتز ومنهجه المعروف باسم «هاكومي». وتصف أوغدن كل لحظة نعيشها بأنها مبنية من خمس لبنات. وغالبًا ما تتجمّع بسرعة حتى تبدو شيئًا واحدًا.

الفكرة: ما يقوله الذهن عن الموقف، وما يعطيه من معنى، مثل «ماذا فعلت؟» أو «سيغضب مني».
الشعور: مثل الخوف، أو الحزن، أو الغضب، أو الفرح.
الحواس: ما التقطته الحواس الخمس في تلك اللحظة، مثل رنّة الهاتف، والاسم على الشاشة، ونبرة صوت.
الحركة: ما فعله الجسد، وكثيرًا ما يكون دون قصد: وضعية الجلوس، وتعابير الوجه، وحركة اليد، مثل كتفين ارتفعا أو نظرة ابتعدت.
الإحساس الجسدي: ما نحسّ به داخل الجسد، مثل ضيق في الصدر، أو حرارة في الوجه، أو ثقل في المعدة.
وبحسب هذا المنهج، تتشكّل اللحظة من أمرين: الموقف نفسه، وطريقتنا المعتادة في الاستجابة له. ولذلك يهتم المعالج فيه بالطريقة التي عاش بها الشخص ما حدث، أكثر من تفاصيل الحدث نفسه: أي اللبنات ظهرت، وبأي ترتيب، وهل يتكرّر هذا الترتيب في مواقف تشبهه.
من بعيد جدار، ومن قريب لبنات
لنتخيّل شخصًا يقف بعيدًا عن جدار. من مكانه يرى كتلة رمادية واحدة، ولا يرى غير ذلك. ثم يقترب خطوة بعد خطوة، فيبدأ يرى الخطوط بين اللبنات، ويرى أن الجدار مبني من لبنات مختلفة في لونها وحجمها، وُضع بعضها فوق بعض بترتيب معيّن. وكلما اقترب، صار يرى أين وُضعت كل لبنة، وأيها في الأسفل يحمل ما فوقه.
والجدار من بعيد مثل كلمة «توتر» حين نقولها بعد المكالمة: كتلة واحدة لا نعرف من أين نبدأ في فهمها. والاقتراب مثل الانتباه بهدوء لما حدث في تلك اللحظة. واللبنات هي ما نراه حين نقترب: الفكرة مثل «ماذا فعلت؟»، والشعور مثل الخوف، والحواس مثل رنّة الهاتف، والحركة مثل الكتفين حين ارتفعتا، والإحساس مثل الضيق في الصدر.
وترتيب اللبنات مثل عاداتنا في الاستجابة. فإذا تكرّر موقف يشبه هذا، قد يُبنى الجدار نفسه بالترتيب نفسه، وبسرعة لا ننتبه لها: الاسم على الشاشة، ثم الفكرة، ثم الكتفان، ثم الضيق. وقد تجعل رؤية اللبنات الجدار مفهومًا أكثر، والتعامل معه أسهل لبنة لبنة.
الإحساس غير الشعور
في العربية نقول «ضاق صدري» حين نحزن، و«قلبي مقبوض» حين نقلق، فتأتي كلمات الجسد وكلمات المشاعر في عبارة واحدة، وقد يخلط ذلك علينا لبنتين مختلفتين: الضيق الذي نحسّه في الصدر إحساس جسدي، والحزن أو القلق شعور.
ويحرص هذا المنهج، كما تصفه أوغدن وزملاؤها، على مساعدة الشخص في التفريق بين الإحساس الجسدي والشعور. فحين تختلط الفكرة والشعور والإحساس، قد يغذّي كلٌّ منها الآخر: فقد تزيد الفكرة الخوف، ويزيد الخوف الضيق، ويؤكد الضيق الفكرة، فترتفع الشدّة. وفي العلاج، قد يوجّه المعالج الانتباه إلى الإحساس وحده لبعض الوقت، ويترك الشعور والفكرة جانبًا مؤقتًا، مع بقاء المشاعر مهمة، وقد تخفّ الشدّة عندها لدى بعض الناس.

والانتباه المقصود هنا انتباه فضولي، لا يحاول تغيير الإحساس أو التخلّص منه أو إصلاحه. ملاحظة فقط: أين هو؟ ما وصفه؟ هل هو ثابت أم يتحرك؟ وتسمّي أوغدن هذه الطريقة في الانتباه «الموقف التجريبي» (Experimental Attitude): اهتمام بما يظهر، أيًّا كان.
وليس الانتباه للجسد مريحًا للجميع. فقد يذكّر بألم، أو بتجربة صعبة، أو يزيد الانزعاج بدل أن يخففه. وتنبّه أوغدن إلى أن بعض الناس يجدون كلمة «الجسد» نفسها ثقيلة، فتنفع معهم كلمات أخرى مثل «من الداخل» أو «ما يحدث في داخلي».
تمرين: لحظة واحدة، خمس لبنات
باختصار: اختيار لحظة صغيرة من اليوم، وتفكيكها إلى لبناتها الخمس، ثم البقاء قليلًا مع الإحساس الجسدي وحده، بفضول، ومن غير محاولة لتغييره.
قبل البدء: اختيار لحظة خفيفة من اليوم، مثل رسالة أزعجت قليلًا، أو زحمة في الطريق، أو تأخّر في موعد. لا ذكرى مؤلمة، ولا موقف صعب جدًّا. وورقة وقلم إن أمكن.
الخطوة الأولى، ماذا قال ذهني؟ الفكرة كما مرّت، بين علامتي تنصيص، مثل: «سأتأخر» أو «لماذا لم يردّ؟».
الخطوة الثانية، ماذا شعرت؟ كلمة أو كلمتان للشعور، مثل: قلق، حزن، انزعاج، غضب، ارتياح. وإن صعب إيجاد الكلمة، قد تساعد عجلة المشاعر على تسميته.
الخطوة الثالثة، ماذا التقطت حواسي؟ ما رأيته أو سمعته في تلك اللحظة، مثل صوت إشعار، أو نبرة صوت، أو تعبير وجه.
الخطوة الرابعة، ماذا فعل جسدي؟ حركة صغيرة، مثل يد قبضت على الهاتف، أو كتفين ارتفعا، أو نفَس توقّف لحظة.
الخطوة الخامسة، أين الإحساس، وما وصفه؟ مكان في الجسد، وكلمة تصف ما يُحَسّ فيه، مثل: شدّ، ثقل، حرارة، برودة، وخز، رجفة، نبض سريع، فراغ، خفّة. والجملة: «ألاحظ ...... (الإحساس) في ...... (مكانه)».
الخطوة السادسة، ماذا يحدث حين أبقى معه؟ ثلاثة أنفاس عادية، والانتباه للإحساس وحده: هل هو ثابت أم يتحرك؟ هل يكبر أم يصغر أم يبقى كما هو؟ والفكرة والشعور يُتركان جانبًا قليلًا، من غير طردهما.
أجوبة واردة: «ألاحظ شدًّا في الكتفين». «ألاحظ حرارة في الوجه، خفّت قليلًا». «ألاحظ ثقلًا في المعدة، وبقي كما هو». «لم ألاحظ شيئًا واضحًا». وكلها أجوبة مقبولة، فالتمرين للملاحظة فقط. وقد يصعب على بعض الناس في البداية أن يلاحظوا الإحساس، وقد يتضح مع التكرار.
مثال: مكالمة المدير. الفكرة: «ماذا فعلت؟». الشعور: خوف. الحواس: رنّة الهاتف والاسم على الشاشة. الحركة: كتفان ارتفعا. الإحساس: «ألاحظ ضيقًا في وسط الصدر». ومع ثلاثة أنفاس، صار الضيق أقرب إلى ثقل خفيف، ثم بقي.
وإن زاد الانتباه للجسد الانزعاج، أو أعاد ذكرى صعبة، فالتوقف خيار جيد. ويكفي عندها النظر حول المكان وتسمية ما تراه العين، أو الإحساس بالقدمين على الأرض. وإن تكرّر ذلك، فالأنسب أن يكون هذا النوع من الانتباه برفقة مختص.
وفي المرة القادمة التي تخرج فيها كلمة «توتر»، قد يفيد هذا السؤال: ما اللبنات التي في داخلها الآن؟
وهذا المقال للتثقيف، ولا يُغني عن الدعم النفسي المتخصص عند الحاجة. وإن كان الضيق شديدًا أو كان هناك خطر فوري، يمكن الرجوع إلى أرقام الطوارئ.
المصدر
van der Kolk, B., & Ogden, P. (2023, December 1). The power of the body in treating trauma [Workshop slides]. Sensorimotor Psychotherapy Institute.
رسائل مهارات الذات الحقيقية
مقالات وأدوات جديدة، وأخبار البرامج حين تُطرح. تصل إلى البريد الإلكتروني، ويمكن إلغاء الاشتراك في أي وقت.
يُستخدم البريد الإلكتروني لإرسال هذه الرسائل فقط، ولا يُشارك مع جهات أخرى.