امرأة بشعر أسود مجعّد قصير وسترة خضراء تجلس على كرسي أبيض في غرفة مشرقة، وهاتفها على حجرها، وتنظر نحو النافذة بهدوء، وعلى الجدار لوحة لبئر قديمة

العقل الحكيم: حين يبدو الغضب كأنه حكمة

أدوات عملية مفاهيم في الصحة النفسية Sep 28, 2026

في آخر الليل، وصل تعليق في مجموعة العائلة وشعرت أنه موجّه إليك. كتبت ردًّا طويلًا، ثم مسحته، ثم كتبته من جديد بكلمات أقوى. وقبل الإرسال مرّت في ذهنك جملة واضحة جدًّا: «هذه المرة لن أسكت».

وربما حدث معك العكس في موقف آخر: قرأت الرسالة، وقررت بهدوء أن الأمر لا يستحق، وأغلقت الهاتف. ثم بقي ثقل في صدرك حتى الصباح.

قد يبدو الغضب كأنه حكمة.

في اللحظة الأولى كانت المشاعر هي التي تقرر، وكان الرد يبدو صحيحًا تمامًا. وفي الثانية بدا أن المنطق يقرر وحده، ولم يكن لما شعرت به مكان في القرار. وفي الحالتين قد يغيب جزء من الصورة: ما نشعر به، وما نعرفه، وما نريده فعلًا من هذه العلاقة.

ما هو العقل الحكيم؟

العلاج الجدلي السلوكي (DBT) طوّرته عالمة النفس الأمريكية مارشا لينهان، و«العقل الحكيم» من أولى مهارات اليقظة الذهنية فيه. وتصف لينهان ثلاث حالات للعقل نتنقّل بينها خلال اليوم: العقل الانفعالي، والعقل المنطقي، والعقل الحكيم الذي يلتقي فيه الاثنان.

دائرتان: العقل الانفعالي بالوردي والعقل المنطقي بالأخضر. تكبر إحداهما فتبهت الأخرى وتصير رمادية، ثم تتقاربان حتى تتداخلا، ويظهر في مكان التقائهما لون ذهبي باسم العقل الحكيم

العقل الانفعالي: حين تقود المشاعر التفكير والتصرف، وتتراجع الحقائق. وتذكر لينهان أن التعب وقلة النوم والجوع والمرض وكثرة الضغوط تجعل الوقوع فيه أسهل. والانفعال الشديد وحده لا يعني ذلك؛ فقد يبكي الشخص على عزيز رحل، ويبقى قادرًا على التفكير والتصرف. وإنما يصبح عقلًا انفعاليًا حين تزيح المشاعر التفكير جانبًا. وقد يبدو العقل الانفعالي هادئًا من الخارج أحيانًا، كما في الانسحاب والصمت حين تكون المشاعر هي التي تقود.

العقل المنطقي: حين يقود المنطق وحده، وتُعامَل المشاعر والحاجات كأنها لا تهم. وهو مفيد في التخطيط وحل المشكلات، غير أن العلاقات، كما تشرح لينهان، يصعب أن تبقى قريبة حين يغيب عنها الإحساس بمشاعرنا ومشاعر الآخرين.

العقل الحكيم: لا يعني إلغاء المشاعر، ولا أن يغلب المنطق عليها. هو أن يجتمع ما نشعر به مع ما نعرفه من الحقائق، ومع ما تعلّمناه من خبرتنا، فنصل في داخلنا إلى ما يناسب الموقف. وترى لينهان أنه موجود عند كل شخص، وإن صعب الوصول إليه في بعض الأوقات، وأن الوصول إليه مهارة تحتاج إلى تمرين متكرر.

البئر والغطاء

شخص يقف عند حافة بئر وينظر إلى داخلها: مطر يتجمّع فوق غطاء رمادي في منتصف البئر يبدو كأنه القاع، والماء في الأسفل رمادي. ثم ينفتح الغطاء، فيعود اللون الأخضر إلى ماء القاع، وهو العقل الحكيم

في الصورة، يقف شخص عند حافة بئر وينظر إلى داخلها. في منتصف البئر غطاء رمادي، وفوقه ماء مطر متجمّع. ومن الأعلى، قد يبدو هذا الماء كأنه قاع البئر، مع أنه قريب من السطح وقليل. أمّا الماء الأعمق، فيبقى تحت الغطاء.

ولنأخذ مثال التعليق الجارح في مجموعة العائلة. التعليق هو المطر: موقف ينزل فجأة ويحرّك الانفعال. والغضب الذي يأتي بعده، مع جملة مثل «أنا على حق في كل شيء» أو «لا بد أن أرد الآن»، هو الماء المتجمّع فوق الغطاء. وهو غضب حقيقي، وليس بالضرورة خطأ أو مبالغة، لكنه قد يكون أقرب ما نراه في تلك اللحظة.

والغطاء هو ما يحجب ما هو أعمق، مثل التعب، أو قلة النوم، أو الجوع، أو ضغط تراكم طوال اليوم. وتحت الغطاء ماء القاع: ما نعرفه حين نعطي أنفسنا وقتًا كافيًا، مثل ما الذي جرحنا فعلًا في التعليق، وما الذي نحتاجه من هذه العلاقة، وأي رد نستطيع أن نتحمّل نتائجه غدًا.

والسؤال الذي تتركه لنا الصورة: هل أرى الآن الماء القريب فقط، أم أعطيت نفسي وقتًا لأصل إلى ما هو أعمق؟

ولا تعطي لينهان طريقة سهلة للتفريق بين ماء المطر وماء القاع، لكنها تقترح علامة: إن كان الانفعال واضحًا وشديدًا، فالأرجح أنه ماء المطر، أي العقل الانفعالي. وإن بقي اليقين نفسه بعد مرور بعض الوقت، وفي لحظة هدوء، فقد يكون أقرب إلى ماء القاع.

تمرين: سؤال مع الشهيق، وإصغاء مع الزفير

الفكرة ببساطة: بدل البحث عن الجواب بمزيد من التفكير، يُطرح السؤال مع الشهيق، ويُترك الزفير للإصغاء فقط. وهو من تمارين العقل الحكيم في العلاج الجدلي السلوكي.

قبل البدء: اختيار سؤال واحد صغير، والجلوس مع إبقاء العينين مفتوحتين، والنظر إلى نقطة ثابتة في المكان. وتقترح لينهان العينين المفتوحتين لأن الهدف أن يصبح التمرين جزءًا من اليوم العادي.

الخطوة الأولى، ماذا أسأل؟ سؤال عن قرار قريب، يُقال في الداخل مع الشهيق، مثل: «هل أرسل هذا الرد الليلة؟» أو «ماذا أحتاج من هذا الحديث؟».

الخطوة الثانية، ماذا أفعل مع الزفير؟ الإصغاء فقط، من غير محاولة للإجابة، ومن غير جدال مع ما يظهر.

الخطوة الثالثة، ماذا لو لم يأتِ جواب؟ تكرار السؤال مع كل شهيق، والإصغاء مع كل زفير، لبضعة أنفاس. وإن لم يظهر شيء، فكما تقول لينهان: ربما لا جواب الآن، أو ربما لم يُحسم الأمر في الداخل بعد.

أجوبة واردة: «ليس الليلة». «أحتاج أن أفهم ما الذي قصدوه أولًا». «ما زال الغضب حاضرًا، ولا أعرف». «لم يظهر شيء». وكلها أجوبة مقبولة، لا علامات نجاح أو فشل.

مثال: الرد على تعليق مجموعة العائلة كان جاهزًا. مع الشهيق: «هل أرسل هذا الرد الليلة؟». ومع الزفير: إصغاء. وبعد أنفاس قليلة ظهر جواب هادئ: «ليس الليلة. أحفظه في الملاحظات، وأقرؤه في الصباح». وفي الصباح بقي الانزعاج، وتغيّر الرد.

وإن زاد الانتباه إلى النفَس القلقَ بدل أن يخففه، فالتوقف خيار جيد. ويكفي عندها العودة إلى التنفس العادي، والنظر إلى ما في المكان.

وفي المرة القادمة التي يبدو فيها الرد صحيحًا جدًّا وعاجلًا جدًّا، قد يفيد هذا السؤال: هل هذا ماء القاع، أم ماء المطر فوق الغطاء؟

وهذا المقال للتثقيف، ولا يُغني عن الدعم النفسي المتخصص عند الحاجة. وإن كان الضيق شديدًا أو كان هناك خطر فوري، يمكن الرجوع إلى أرقام الطوارئ.

المصدر

Linehan, M. M. (2015). DBT skills training manual (2nd ed.). Guilford Press.

رسائل مهارات الذات الحقيقية

مقالات وأدوات جديدة، وأخبار البرامج حين تُطرح. تصل إلى البريد الإلكتروني، ويمكن إلغاء الاشتراك في أي وقت.

يُستخدم البريد الإلكتروني لإرسال هذه الرسائل فقط، ولا يُشارك مع جهات أخرى.

إذا لامس هذا المقال شيئًا فيك، فهناك خطوة تالية

الأدوات والموارد المجانية مجتمعة في صفحة واحدة، ويمكن العودة إليها في أي وقت. أمّا البرامج والدورات فمسار أطول: محتوًى متدرّج، وبعضها يتضمّن لقاءات مباشرة.

تصفّح البرامج والدورات
تواصل معنا