رسم توضيحي لامرأة عربية بشعر أسود مجعّد تجلس مبتسمة على كرسي أبيض وفي يديها كوب دافئ، في غرفة هادئة فيها شجرة زيتون ولوحة لبيت صغير يقوم على أعمدة

بدأ الفرق من الوجه: خمس خبرات تبني الشعور بالأمان

العلاقات والتعلّق العاطفي مفاهيم في الصحة النفسية Oct 19, 2026

دخلت بيت أهلك بعد أسابيع من الانشغال. في الصالة رفع شخص رأسه عن الجوال، وقال: «هلا»، ثم عاد إلى الشاشة. وبعد دقائق دخل شخص آخر، فتهلّل وجهه قبل أن يتكلم، وقام من مكانه: «أخيرًا! اشتقنا لك». الزيارة واحدة، والبيت واحد، وخرجت منها بشعورين مختلفين جدًا.

بدأ الفرق من الوجه، قبل الكلام.

ربما وصلك من الشخص الثاني ما هو أعمق من الترحيب: أن وجودك نفسه يُفرح أحدًا. وهذه واحدة من خمس خبرات يصفها أخصائيان نفسيان بأنها تساعد الإنسان على الشعور بالأمان مع من يحب.

ما الخبرات الخمس؟

يصف الأخصائيان النفسيان دانيال براون وديفيد إليوت، في عملهما على إصلاح جروح الرابطة العاطفية (التعلّق العاطفي) لدى البالغين، خمسة شروط تساعد على نشوء رابطة عاطفية آمنة بين الطفل ومن يرعاه. ويصفان كل شرط من جهتين: ما يعيشه الطفل، وما يفعله من يرعاه فيصنع له هذه الخبرة. ويشيران إلى أن هذه الشروط تنطبق أيضًا على العلاقات القريبة بين البالغين، مثل العلاقة بين الشريكين، وعلى العلاقة بين المعالج ومن يراجعه.

شخص في المنتصف تحيط به خمس خبرات تضيء واحدة بعد أخرى: الحماية، والتناغم العاطفي، والمواساة، والفرح بوجودك، والدعم للاستكشاف، ومع كل خبرة يعود اللون إلى الشخص

الحماية، والشعور بالأمان: يجد الطفل من يحسب حساب سلامته، ويقف معه حين يخاف، ويصدّقه حين يحكي ما حدث له. وفي الرشد، مثل شخص يقف معك أمام موقف صعب، فلا يبقى الموقف عليك وحدك.

التناغم العاطفي، والشعور بأن ما في داخلك مرئي ومفهوم: يلتقط من يرعى الطفل سلوكه وما يحدث في داخله، ويستجيب بما يناسب عمره، ويحترم حاجته إلى القرب مرة وإلى المسافة مرة. وفي الرشد، مثل شخص لاحظ من ملامحك أن يومك كان ثقيلًا، قبل أي كلمة منك.

المواساة، والشعور بالطمأنينة: يُهدَّأ ضيق الطفل بالكلمة والحضن والصوت الدافئ: «سيكون كل شيء بخير»، «سنجد حلًا معًا»، «مشاعرك مفهومة». ويربط براون وإليوت هذه الخبرة بالقدرة على تنظيم المشاعر، وتصفها المعالجة النفسية كيري ستيريت بأنها النموذج الذي نتعلّم منه لاحقًا مواساة أنفسنا.

الفرح بوجودك، والشعور بالقيمة: يرى الطفل في وجه من يرعاه فرحًا بوجوده نفسه: فرح حين يستيقظ، وحين يعود أحدهما إلى الآخر في آخر اليوم. وفي الرشد، مثل الوجه الذي تهلّل حين دخلت البيت.

الدعم للاستكشاف، والشعور بالسند: يُشجَّع الطفل على اللعب والفضول وتجربة الجديد، ويُحتفى بما يحبه هو، من غير أن تُفرض عليه رغبات غيره، ويجد من يسنده حين يتعثّر ثم يقوم. وفي الرشد، مثل تشجيع قبل خطوة جديدة، وشخص يبقى قريبًا إن لم تنجح الخطوة من أول مرة.

سقف على خمسة أعمدة

وتسمّي ستيريت هذه الخبرات «الأعمدة الخمسة» للرابطة العاطفية. ولنتخيّل شخصًا يقف تحت سقف تحمله خمسة أعمدة. حين تكون الأعمدة كلها في مكانها، يستقيم السقف، ويقف الشخص تحته مرتاحًا، ويداه إلى جانبيه.

ثم لنتخيّل أن أحد الأعمدة أقصر من غيره. يميل السقف من جهته قليلًا، فيرفع الشخص يده ويسند السقف بنفسه. ويبقى على هذه الحال مدة طويلة، حتى ينسى أن يده مرفوعة، ويظن أن الوقوف هكذا هو الوقوف الطبيعي.

سقف تحمله خمسة أعمدة وتحته شخص. يقصر عمود المواساة فيميل السقف ويبهت لونه، ويرفع الشخص يده ليسنده. ثم يرتفع سند جديد تحت العمود، فيستقيم السقف ويعود اللون وتنزل اليد

في هذه الصورة، السقف هو الشعور بالأمان في العلاقات القريبة، والأعمدة هي الخبرات الخمس. والعمود القصير خبرة لم تصل بالقدر الكافي، كمواساة قليلة وقت الحزن، أو فرح لا يظهر إلا عند الإنجاز. واليد المرفوعة هي الطرق التي قد نتعلّمها لنحمي أنفسنا، مثل ألا نطلب المواساة أبدًا ونتدبّر كل شيء وحدنا، أو أن نبقى منتبهين طوال الوقت لرضا الآخرين وقربهم منا. وقد يظهر شيء من هذا فيما يُسمّى أنماط الرابطة العاطفية، ولمن يرغب في التعرّف إلى نمطه، يمكن البدء من اختبار أنماط التعلّق العاطفي.

وتصف ستيريت هذه الطرق بأنه كان لها ما يبرّرها في وقتها، لأنها حمت الطفل في بيئته، وقد لا تناسبنا اليوم. والعمود القصير لا يعني بالضرورة أن من ربّانا أراد الأذى، فقد يكون هو نفسه لم يجد هذه الخبرات، أو مرّ بظروف صعبة.

ولا تحدّد سنوات الطفولة الأولى وحدها شكل العلاقات كلها، فالعلاقات والتجارب الأخرى في الطفولة وما بعدها تترك أثرها أيضًا. ويرى براون وإليوت أن جروح الرابطة العاطفية يمكن إصلاحها في الرشد، وقد يحدث ذلك عبر علاقات آمنة لاحقة، ومنها العلاقة العلاجية. وفي الصورة، يشبه ذلك سندًا جديدًا يرتفع تحت العمود القصير، فيستقيم السقف، وترتاح اليد.

وفي عملها مع البالغين، تسأل ستيريت عن مواقف قدّم فيها الشخص إحدى هذه الخبرات لغيره أو لنفسه، وترى أن وجود لحظات كهذه، ولو كانت قليلة، يدل على جانب فيه يعرف كيف يرعى.

تمرين: لحظات صغيرة من الأمان

الفكرة ببساطة: البحث عن لحظة قريبة، من الأيام أو الأسابيع الماضية، وصلت فيها إحدى الخبرات الخمس، أو قُدّمت فيها لشخص آخر، ثم ملاحظة ما يحدث في الجسد والشعور عند تذكّرها.

قبل البدء: لحظة من الأيام أو الأسابيع الأخيرة، وذكريات الطفولة خارج هذا التمرين. وإن حضرت ذكرى مؤلمة، فهذا وقت مناسب للتوقف. وورقة وقلم إن أمكن.

الخطوة الأولى، أي خبرة أختار؟ واحدة من الخمس، والأسهل هي الأنسب: الحماية، أو التناغم العاطفي، أو المواساة، أو الفرح بوجودك، أو الدعم للاستكشاف.

الخطوة الثانية، متى وصلتني هذه الخبرة مؤخرًا؟ لحظة صغيرة تكفي، مثل رسالة «وصلت بالسلامة؟» بعد طريق طويل، أو زميل لاحظ تعبك، أو صوت هادئ قال «سنجد حلًا»، أو وجه فرح بقدومك، أو تشجيع قبل تجربة جديدة. وهذه أمثلة فقط، واللحظات تختلف من شخص لآخر.

الخطوة الثالثة، أو متى قدّمتها أنا؟ إن لم تحضر لحظة وصلت فيها هذه الخبرة، فقد تحضر لحظة قُدّمت فيها لغيرك أو لنفسك: مثل كلمة مواساة لصديق، أو صبر على النفس بعد خطأ.

الخطوة الرابعة، ماذا يحدث في داخلي الآن؟ ثلاثة أنفاس عادية مع تذكّر اللحظة، ثم ملاحظة الشعور والجسد، والجملة: «حين أتذكّر هذه اللحظة، أشعر بـ ...... (الشعور)، وألاحظ ...... (الإحساس) في ...... (مكانه)».

لتسمية الشعور بكلمة أدق: عجلة المشاعر ←

أجوبة واردة: «أشعر بامتنان، وألاحظ دفئًا في الصدر». «أشعر بارتياح، وألاحظ أن الكتفين نزلا قليلًا». «أشعر بشيء من الحزن، لأن هذه اللحظات قليلة». «لم ألاحظ شيئًا واضحًا». وكلها أجوبة مقبولة، فالتمرين للملاحظة فقط.

مثال: زيارة بيت العائلة. الخبرة: الفرح بوجودك. اللحظة: الوجه الذي تهلّل، وكلمة «اشتقنا لك». وعند تذكّرها مع ثلاثة أنفاس: «أشعر بفرح، وألاحظ دفئًا في الوجه، وابتسامة صغيرة».

وقد يحضر مع اللحظة الطيبة حزن على ما لم يصل في وقته، وهذا مفهوم. وإن زاد الضيق، فالتوقف خيار جيد، ويكفي عندها تسمية ما تلمسه اليد أو ما يصل من روائح في المكان، أو الشعور بالقدمين على الأرض. وإن تكرّر ذلك، فالأنسب أن يكون هذا النوع من التمرين برفقة مختص.

وفي آخر هذا الأسبوع، قد يفيد هذا السؤال: أي الخبرات الخمس وصلتك، ولو في لحظة صغيرة؟

وهذا المقال للتثقيف، ولا يُغني عن الدعم النفسي المتخصص عند الحاجة. وإن كان الضيق شديدًا أو كان هناك خطر فوري، يمكن الرجوع إلى أرقام الطوارئ.

المصدر

Brown, D. P., & Elliott, D. S. (2016). Attachment disturbances in adults: Treatment for comprehensive repair. W. W. Norton & Company.

رسائل مهارات الذات الحقيقية

مقالات وأدوات جديدة، وأخبار البرامج حين تُطرح. تصل إلى البريد الإلكتروني، ويمكن إلغاء الاشتراك في أي وقت.

يُستخدم البريد الإلكتروني لإرسال هذه الرسائل فقط، ولا يُشارك مع جهات أخرى.

إذا لامس هذا المقال شيئًا فيك، فهناك خطوة تالية

الأدوات والموارد المجانية مجتمعة في صفحة واحدة، ويمكن العودة إليها في أي وقت. أمّا البرامج والدورات فمسار أطول: محتوًى متدرّج، وبعضها يتضمّن لقاءات مباشرة.

تصفّح البرامج والدورات
تواصل معنا